أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
137
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
دبّرتم ما دبّرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به من محاجّتهم لكم عند ربّكم » . الرابع : أن ينتصب « أَنْ يُؤْتى » بفعل مقدّر يدلّ عليه « وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ » كأنه قيل : قل إنّ الهدى هدى اللّه فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، فلا تنكروا ناصب لأن وما في حيّزها ، لأنّ قوله « وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ » إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا . قال الشيخ : « وهذا بعيد لأنّ فيه حذف حرف النهي وحذف معموله ، ولم يحفظ ذلك من لسانهم » قلت : متى دلّ على العامل دليل جاز حذفه على أيّ حالة كان . الخامس : أن يكون « هُدَى اللَّهِ » بدلا من « الْهُدى » الذي هو اسم إنّ ، ويكون خبر إنّ : « أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ » ، والتقدير : قل إنّ هدى اللّه أن يؤتى أحد ، أي : إنّ هدى اللّه إيتاء أحد مثل ما أوتيتم ، وتكون « أو » بمعنى « حتى » ، والمعنى : حتى عند ربكم فيغلبوكم ويدحضوا حجّتكم عند اللّه ، ولا يكون « أَوْ يُحاجُّوكُمْ » معطوفا على « أَنْ يُؤْتى » وداخلا في حيّز أن . السادس : أن يكون « أَنْ يُؤْتى » بدلا من هدى اللّه ، ويكون المعنى : قل إنّ الهدى هدى اللّه وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن ، ويكون قوله : « أَوْ يُحاجُّوكُمْ » بمعنى أو فليحاجوكم فإنهم يغلبونكم ، قاله ابن عطية ، وفيه نظر ، لأنه يؤدّي إلى حذف حرف النهي وإبقاء عمله . السابع : أن تكون « لا » النافية مقدرة قبل « أَنْ يُؤْتى » فحذفت لدلالة الكلام عليها وتكون « أو » بمعنى إلّا أن ، والتقدير : ولا تؤمنوا لأحد بشيء إلّا لمن تبع دينكم بانتفاء أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم ، وجاء بمثله وعاضدا له ، فإنّ ذلك لا يؤتاه غيركم إلّا أن يحاجّوكم كقولك : لألزمنّك أو تقتضيني حقي ، وفيه ضعف من حيث حذف « لا » النافية ، وما ذكروه من دلالة الكلام عليها غير ظاهر . الثامن : أن يكون « أَنْ يُؤْتى » مفعولا من أجله ، وتحرير هذا القول أن تجعل قوله : « أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ » ليس داخلا تحت قوله « قُلْ » بل هو من تمام قول الطائفة متصل بقوله : ولا تؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم مخافة أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم ، ومخافة أن يحاجّوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه . وهذا القول منهم ثمرة حسدهم وكفرهم مع معرفتهم بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولمّا قدّر المبرد المفعول من أجله هنا قدّر المضاف : كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، أي : ممّن خالف دين الإسلام ، لأن اللّه لا يهدي من هو كاذب وكفّار ، فهدى اللّه بعيد من غير المؤمنين ، والخطاب في « أُوتِيتُمْ » و « يُحاجُّوكُمْ » لأمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . واستضعف بعضهم هذا وقال : كونه مفعولا من أجله على تقدير : « كراهة » يحتاج إلى تقدير عامل فيه ويصعب تقديره ، إذ قبله جملة لا يظهر تعليل النسبة فيها بكراهة الإيتاء المذكور . التاسع : أنّ « أن » المفتوحة تأتي للنفي كما « لا » نقل ذلك بعضهم نصا عن الفراء ، وجعل « أو » بمعنى إلا ، والتقدير : لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلّا أن يحاجّوكم ، فإنّ إيتاءه ما أوتيتم مقرون بمغالبتكم أو محاجّتكم عند ربكم ، لأنّ من آتاه اللّه الوحي لا بد أن يحاجّهم عند ربهم في كونهم لا يتّبعونه ، فقوله : « أَوْ يُحاجُّوكُمْ » حال لازمة من جهة المعنى ، إذ لا يوحي اللّه لرسول إلا وهو محاجّ مخالفيه . وهذا قول ساقط إذ لم يثبت ذلك من لسان العرب .